أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

91

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقرىء شاذا : « والأبكار » بفتح الهمزة ، وهو جمع « بكر » بفتح الفاء والعين . ومتى أريد به هذا الوقت من يوم بعينه امتنع من الصرف والتصرّف فلا يستعمل غير ظرف . تقول : « أتيتك يوم الجمعة بكر » ، وسبب منع صرفه التعريف والعدل من « أل » ، فلو أريد به وقت مبهم انصرف نحو : « أتيتك » بكرا من الأبكار » ، ونظيره : سحر وأسحار في جميع ما تقدّم ، وهذه القراءة تناسب قوله « العشيّ » عند من يجعلها جمع « عشيّة » ليتقابل الجمعان . ووقت الإبكار من طلوع الفجر إلى وقت الضّحى وقال الراغب : « أصل الكلمة هي البكرة أول النهار ، فاشتقّ من لفظه لفظ الفعل فقيل : بكر فلان بكورا إذا خرج بكرة ، والبكور : المبالغ في البكور ، وبكّر في حاجته وابتكر وباكر ، وتصوّر فيها معنى التعجيل لتقدّمها على سائر أوقات النهار ، فقيل لكل متعجّل : بكر » قلت . ظاهر هذه العبارة - وكذا عبارة غيره - أنّ البكر مختصّ بطلوع الشمس إلى الضحى ، فإن أريد به من أول طلوع الفجر إلى الضحى ، فإنه على خلاف الأصل . وقد صرّح الواحدي بذلك فقال : هذا معنى الإبكار ، ثم يسمّى ما بين طلوع الفجر إلى الضحى إبكارا كما يسمّى إصباحا . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 42 إلى 44 ] وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ( 42 ) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 ) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( 44 ) قوله تعالى : وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ : إن شئت جعلت هذا الظرف نسقا على الظرف قبله وهو قوله : إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ ، وإن شئت جعلته منصوبا بمقدّر قاله أبو البقاء . وقرأ عبد اللّه بن مسعود وابن عمر : « وإذ قال الملائكة » دون تاء تأنيث ، وتوجيه ذلك تقدّم في فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ « 1 » . ومعمول القول الجملة المؤكّدة بإنّ من قوله : « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ » ، وكرّر الاصطفاء رفعا من شأنها . قال الزمخشري : « اصطفاك أولا حين تقبّلك من أمّك وربّاك واختصّك بالكرامة السّنيّة ، واصطفاك آخرا على نساء العالمين بأن وهب لك عيسى من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء » . واصطفى : افتعل من الصّفوة ، أبدلت التاء طاء لأجل حرف الإطباق وقد تقدّم تقريره في البقرة « 2 » ، وتقدّم سبب تعدّيه ب « عَلى » ، وإن كان أصل تعديته ب « من » . وقال أبو البقاء : « وكرّر اصطفى : « إمّا » توكيدا ، وإمّا ليبيّن من اصطفاها عليهنّ » ، وقال الواحدي : « وكرّر الاصطفاء لأنّ كلا الاصطفائين يختلف معناهما ، فالاصطفاء الأول عموم يدخل فيه صوالح النساء ، والثاني اصطفاء بما اختصّت به من خصائصها . قوله : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ : يجوز فيه أوجه : أحدها : أن يكون « ذلِكَ » خبر مبتدإ محذوف تقديره : الأمر ذلك . و « مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ » على هذا يجوز أن يكون من تتمة هذا الكلام حالا من اسم الإشارة ، ويجوز أن يكون الوقف على « ذلِكَ » ، ويكون « مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ » متعلّقا بما بعده وتكون الجملة من « نُوحِيهِ » إذ ذاك : إمّا مبينة وشارحة للجملة قبلها وإمّا حالا .

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية ( 39 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 130 ) .